|
بين القضاء والقضاة
مما يكفل حقوق الناس ويحفظها وجود دوائر لتدقيق الأحكام القضائية وأخرى
تنظيمية تضبط شؤون القضاة وتراقب أداءهم وتحاسب المقصر منهم. وقد كفل
النظام لأصحاب الحقوق حرية مخاطبة وزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى والتظلم
لديها ضد تصرفات القضاة. كما أن ولاة الأمر وفقهم الله كفلوا للناس حرية
التعبير والنشر في وسائل الإعلام ضمن ضوابط النشر المعروفة، وليس أحد من
موظفي الدولة وإداراتها مستثنى من توجيه النقد له أو الاعتراض على قراراته
في وسائل النشر المعلنة ، بل لا يكاد يمر يوم لم نقرأ في صحفنا نقدا او
اعتراضا على وزارة أو إدارة، بل وعلى وزير ورجل أمن ما دام الناشر ملتزما
بتوثيق ما يقول. وغني عن القول أن هناك فرق شاسع بين الدين وأفراد المسلمين
والتعليم وأفراد المعلمين، والطب وأفراد الأطباء، والقضاء الشرعي وأفراد
القضاة....فالدين والتعليم والطب والقضاء الشرعي من القيم الثابتة التي لا
يتصور نقدها؛ أما أفراد المسلمين والمعلمين والأطباء والقضاة فهم بشر
يصيبون ويخطئون وينتقدون ويقومون، وليس ذلك انتقاصا للقيم التي ينتمون
إليها، وإنما هو محافظة عليها من أن يشوبها سوء تطبيق يشوه صفاءها حتى لا
تظلم القيم الثابته، ولا يعمم الخطأ على جميع المنتمين لها، وإنما يتحمل
كلٌ ما جنت يداه {ولا تزر وازرة وزر أخرى}.
ومن هذا المنطلق، فقضية تمور
وعقارات المملكة ليست من أمور السياسة أو
الدعوة أو الاحتساب العام ، وإنما هي حقوق مالية خاصة
يملك كل مساهم فيها الحديث عن حقوقه والمطالبة بها و الشكوى على من ظلمه،
كائنا من كان، والاستعانة بمن ينصره
بكل وسيلة
شرعية لا يمنع منها النظام. إلا أن من نشكوه يُجلب علينا بخيله ورَجِله،
ولا يتورع أن ينقل الخصومة ويشوهها ويوهم أن أصحاب الحقوق يضادون الدين
وينتقدون القضاء الشرعي ويطعنون في القضاة.... وأحسنهم حالا من يقول لأصحاب
الحقوق: اصبروا على الظلم فإن الحديث عن خطأ القاضي مفسدة شرعية ويؤدي إلى
اتهام القضاء الشرعي ويسيء إلى القضاة الآخرين، ولا بأس أن يستدلوا بقول
شريح: أصبحت ونصف الناس عليّ ساخط.....
أما نحن فنقول ردوا سيف المصلحة والمفسدة في غمده فهو سلاح ذو حدين، وإليكم
كلام الله تعالى الذي هو الفصل وليس بالهزل:{لا
يحب الله بالجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم}
فإذا أذِن الله بالجهر بالمظلمة وإعلانها حتى يرتدع الظالم ويخشى الفضيحة
فمن ذا الذي يحرم ما أحل الله ويقول اكتموها عن الناس؟ ثم أتذكرون كلام
شريح وتنسون كلام النبي صلى الله عليه وسلم " قاض في الجنة وقاضيان في
النار"؟ ساء ما تحكمون.
كما أننا نقول إن المفسدة الحقيقية هي الظلم وإضاعة الحقوق والحكم بين
الناس بمجرد الأهواء والتمادي في الباطل ومخالفة أصول القضاء الشرعي. ومثل
ذلك في الفساد ترك القضاة الآخرين الإنكار على من يفعل ذلك منهم، وأفسد من
ذلك كله التبرير بحجج هم
أول من يعلم بطلانها؛ ولعل من هؤلاء من يرى الجهر في الانكار على الولاة
والسر فيه على القضاة!
وأخيرا فإن القاضي ليس هو القضاء، وإنما هو أحد المكلفين بتنفيذ مهمة
القضاء من الفصل في النزاعات وغيرها بين الناس. ومن القضاة من يجتهد فيخطئ،
وهذا إذا لم يرجع إلى الحق فلا تثريب على من عمل بآية النساء وجهر بمظلمته
وأعلنها فلعل ذلك أن يعين القاضي على نفسه فيراجع حكمه. ومنهم الظالم الذي
يسيء إلى القضاء وإلى القضاة المقسطين القائمين بالحق، فالانكار عليه
علانية وتمييزه عن غيره أبلغ في ردعه وأسلم للقضاء وللقضاة الآخرين حتى لا
ينسب الظلم إلى القضاء الشرعي أو إليهم.
والمال قرين النفس في القرآن، واستنقاذه بالوسائل التي أحلها الله
مصلحة معتبرة شرعا، وهي أكبر من مصلحة الكف عن القاضي الظالم
والساكت عنه، فهذه مصلحة ملغاة شرعا. أما
المفاسد في الجهر بالمظلمة فهي مفاسد موهومة، أو مرجوحة يتحمل جريرتها من
تسبب بها وهو القاضي الظالم والساكتون عنه فهم الذين بدلوا نعمة الله ثم
أحلوا غيرهم دار البوار وفتحوا الباب لشانئي القضاء الشرعي.
ولذلك كله فقد استنفدنا جميع السبل لنصح القضاة الذين سنتحدث عن ظلمهم في
هذا الموقع، مشافهة وكتابة، وألنا لهم القول ثم أغلظناه ثم نقلنا مظلمتنا
إلى القضاة الآخرين لعلهم يسمعون منهم أو ينتصحون، ثم رفعناها لوزارة العدل
لعلهم ينتهون... ولكن جهودنا فشلت.... فنحن في حِل، والله يتولانا وإياهم،
وهو أعلم بالسرائر وما تكنه الضمائر.
|