يأمل الملتقى ممن لديه وثيقة أو شهادة على أحد أطراف القضية أن يبلغنا على فاكس 014918518 أو جوال 0505453465

:::  خبر عاجل

مقالات صحيفة الجزيرة التي أوقفت عن النشر

 


 

المقالة الثالثة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مؤسسات توظيف الأموال و أحجار على رقعة شطرنج

 

 

                                                                د. صالح الصقير

أستاذ جامعي

 

لقد كان لوسائل الإعلام - ومن ضمنها النشر في الجزيرة- بالغ الأثر الإيجابي،إذ جرى قبل عدة أيام كشف صفقة بيع وهمية لأحد العقارات المخفية التابعة لمساهمي تمور وعقارات المملكة (المشتري الوهمي أحد كبار موظفي الدولة!) وقد أبلغت فضيلة القاضي بذلك. كما أن المقال الأول أدى إلى إجهاض صفقة كاد أن يبرمها صاحب المؤسسة بـ 300 مليون ريال- إن ثبت ما ذكر عند اعتراضه لديكم على النشر. كما أنه من الطريف أن نائب مدير مؤسسة نضيد قد اعترض لدى الصحيفة على نشر المقال مدعياً براءتهم مما ذكر فيه فصدر قبل عدة أيام أمر بالقبض عليه بنفسه(مرفق)! وهذا الإنجاز يؤكد إيجابية الحديث علانية عن هذه المؤسسات و ليحذر الناس من التعامل معها إلا عن طريق المحكمة. كما أن اكتشاف هذه الأملاك التي تصرف فيها رغم تأكيده للمحكمة أنه سلم كل شيء مع التزامه عند إخراجه من السجن ألا يتصرف فيها ليؤكد ضرورة تعامل الحكمة مع صاحب المؤسسة بشكل مختلف قبل أن تضيع حقوق المساهمين.

أستكمل في هذه الحلقة ما أجلت الحديث عنه في الحلقتين السابقتين حول سر تزامن انهيار مجموعة من مؤسسات تشغيل الأموال في مناطق مختلفة في السعودية، معتمداً في توثيق معظم المعلومات والأرقام التي أذكرها على وثائق صادرة من المحاكم أو الحقوق المدنية أو العقود التي تصدرها هذه المؤسسات من خلال تعاملي معها.

ففي المنطقة الشرقية كثرت كتابة الصحف المحلية خلال السنتين الماضيتين حول ثلاث مؤسسات فردية بأسماء معلنة، وكان أبرز من كتب عنها اتجاهان معارضان لها: أحدهما تدفعه المصلحة العامة، واكتفى بتحذير صغار المساهمين من الانزلاق وراء بريق أرباح لا توازي أكبر الأرقام التي سجلها تاريخ أسواق المضاربات في العقار وغيره، كما أثار هذا الاتجاه عدة تساؤلات حول طبيعة ونظامية أنشطة هذه المؤسسات مطالباً وزارة التجارة بالقيام بدورها الرقابي حيال ذلك. أما الاتجاه الثاني فهو المؤسسات المالية المرخصة- ممثلة بالبنوك التجارية- فهم المتضرر المباشر من النزيف القاتل لرؤوس الأموال الهائلة التي اتجهت نحو هذه المؤسسات المنافسة والتي تعطي أرباحاً تزيد على عشرات أضعاف ما تعطيه البنوك. واتخذ أسلوب طرح هذا الاتجاه منحى عنيفاً متطرفا، متبنياً مبدأ ميكافيللي: الغاية تبرر الوسيلة! إذ طالبوا الجهات الرسمية علانية والأمنية خفية بالتدخل وإيقاف أنشطة هذه المؤسسات بحجة أن أصحابها "يتسترون بالدين" و يتاجرون بالممنوعات ويمولون "الإرهاب". إلا أن التحقيقات الأولى لم تبين أي مخالفات نظامية، عدا نواقص في بعض الإجراءات الإدارية مثل استكمال تراخيص بعض أنشطتها، وأعطيت هذه المؤسسات مهلة لتصحيح أوضاعها. ومع أن أحد هذه المؤسسات اقتطعت من أرباح مساهميها 2% كأتعاب للمحامي الذي كسب قضيتهم، إلا أنه لم تمضِ عدة أشهر حتى تم التحفظ على أملاكهم وحساباتهم وأودع بعضهم السجن.

كان أبرز هذه المؤسسات وأولها انهيارا مؤسسة ح.ع. وشريكه، التي بلغ مجمل استثماراتها نحو مليار وثمانمائة مليون ريال. وكانت أرباح المساهمين 16% كل 4 شهور، وفي حال تدويرها تبلغ 56% سنوياً! ولكن يلاحظ أن معظم استثماراتها غير معلن عن أعيانها، والجواب الوحيد الذي كنا نتلقاه كلما سألنا هو أن ذلك سر المهنة، ويحتفظون به لاعتبارات استراتيجية تجارية؛ ومع هذا فإنه يكاد يجمع كل من سألناه من تجار المنطقة أنهم بعد طول معرفة ومعاملة لأصحاب هذه المؤسسة يشهدون لهم بحسن السيرة ويستبعدون تماما أن تكون تجارتهم بالممنوعات؛ وهذا كله– في نظري القاصر- مما يفسر  تنازل الناس عن حقهم في معرفة نوع التجارة. وقد شاع عند البعض أن تسويق نفط العراق بسعر ثابت خلال سنوات الحصار الاقتصادي – عبر قطر تحديداً- هو سر ارتفاع الأرباح وثباتها، ولذلك انهارت المؤسسة بعد احتلال العراق مباشرة.

أما مؤسسة ج.ج  ومؤسسة بن... فقد كان الكثير من أنشطتها معروفاً إما في السعودية أو في السودان وغيرها؛

ولذلك فمن الظلم اتهام هذه المؤسسات الثلاث بدون دليل واضح.

و رغم ما قيل عن أنشطة هذه المؤسسات الثلاث وتزامن أزمتها مع احتلال العراق إلا أن انهيارها كان مرتبطاً مباشرة بتدخل الجهة الرسمية حيث تم التحفظ على أرصدتها وممتلكاتها في الداخل وأوقف بعض أصحابها. ومما يؤيد هذا التفسير أنه لم يسبق أن اشتكى أحد من المساهمين من عدم تسليمه حقوقه، وإنما اشتكوا من تضررهم بإيقاف أصحاب المؤسسات والتحفظ على أملاكها، ولذا فقد طالبوا بإطلاقهم، حيث أنهم يعلنون أنهم على استعداد لتسليم جميع المساهمين حقوقهم.

أما في الرياض فقد انهارت ثلاث مؤسسات أخرى بعد زمن وجيز مما سبق، ولكن أوضاعها وأسباب سقوطها تختلف.

وحيث وصل الأمر إلى أن ألقي القبض على صاحب أحدها وأعلن الحجر عليه وهرب صاحب المؤسسة الأخرى وتبحث عنه الشرطة بعد التعميم للقبض عليه ومنعه من السفر(مرفق الوثائق) فلا يخفى أهمية بيان حالها وآخر ما تم من إجراءات نظامية حيالها، وهي : تمور وعقارات المملكة و نضيد للتمور الفاخرة. أما الثالثة فهي مؤسسة م. بن... للتجارة. وهذه الثلاث يجمعها أمور:

1-    أرباحها السنوية ثابتة: 28% و27% و 22%  على التوالي، ويلاحظ أنها قرابة نصف أرباح مؤسسة ح.ع وشريكه التي سبق بيان أن أرباحها ثابتة أيضاً:  56%! مما يثير احتمال ترابطها مالياً.

2-  جميعها تم تحويلها إلى شركة بعد الانهيار، ربما لتجنب الملاحقة القضائية والقانونية لشخص أصحابها.

3-  قبيل ظهور الانهيار كثرت الاستقالات و تغيير الاداريين ثم كثر غياب صاحب المؤسسة وتهربه من المساهمين وأخيراً يختفي بعضهم عن الأنظار.

4-  الأموال المستثمرة في كل مؤسسة على حدة (مئات الملايين) تتجاوز بكثير القدرة الاستيعابية لأنشطتها المعلنة خاصة إذا رغبت المؤسسة المحافظة على نسبة الأرباح العالية.

5-  لا يوجد مجلس إدارة لمؤسستي التمور ويتميز أصحابهما بالمبالغة في الإنفاق في أوجه لا تقتضيها مصلحة المساهمين.... كرم "فاحش" ولكن من أموال المساهمين!

فأما تمور وعقارات المملكة: فتجارة التمور والعقار المعلن لم تستوعب أموال المساهمين التي تجاوزت 1.5 مليار ريال، وقد كان هناك شكوك لدى بعض المساهمين أن صاحب المؤسسة استثمر مبالغ ضخمة مع مؤسسة ح.ع أو ج.ج ولكنه لا يعطي المساهمين إلا نصف الربح، خاصة وأنه يلاحظ ثبات النسبة عند28%  وهي نصف نسبة أرباح تلك المؤسسات التي تبلغ 56%!. وقد أيد هذا الاحتمال انهيار مؤسسة التمور بعد إيقاف أصحاب تلك المؤسسات مباشرة! والتفسير المنطقي لعجزه عن تسليم الحقوق له احتمالات:1- أنه خالف العقد بإدخال أموال المساهمين في الأصول (المزارع ومصنع التمور مثلاً) فلا يستطيع التصفية لجميع المساهمين في نفس الوقت إلا إذا اضطر لكشف الحقيقة وباع الأصول -2- أو أنه أدخل أموالهم مع محتالين أو مؤسسات انهارت-3- أو أن العجز وهمي والأموال مخفية... أو كل الاحتمالات!

وقد حاول صاحب المؤسسة إقناع المساهمين بأنه لم يخسر ولم يفلس، غير أن ثقتهم به انهارت لما تبين لهم أن جميع  الشيكات التي استلموها منه ليس لها رصيد!(مرفق نماذج شيكات بأكثر من 4 ملايين ريال) ولذلك فقد ضيقوا عليه الخناق حتى تم إيقافه.

ولكن صاحب المؤسسة يعلم أن "من حُلقت لحية جاره فليسكب الماء على لحيته" ولذلك فقد سبق المحكمة و أخفى الأموال عند أقاربه وأصحابه ونقل ملكية الأصول وتنازل عن الاستثمارات لبعض المقربين منه(راجع الجزيرة عدد11799ص13)، كما أنه استطاع إقناع القاضي بأنه صادق وليس لديه شيء مخفي فأطلق سراحه!  

أما مؤسسة نضيد فينطبق عليها ما قيل عن تمور المملكة في سبب وتزامن الانهيار وعدم وجود مجلس إدارة إلا أنها تزيد بأن صاحبها اختفى وترك الإدارة لبعض الوافدين من أحد الدول المجاورة. وهناك أسئلة خطيرة حول طبيعة تجارة صاحب المؤسسة إذ أن استثماراته تبلغ أكثر من 300 مليون ريال وأرباحها 27% سنوياً ومع هذا لم يستطع تسديد 300 ألف ريال وهو مبلغ لا يشكل 0.1% من استثماراتها! فبقي صاحب المؤسسة هارباً مختفياً من الشرطة التي منعته من السفر وتبحث عنه للقبض عليه(مرفق التعميم)! بل وصل الأمر إلى تدخل الإمارة حيث كتبت للمحكمة (مرفق)  ببيع أملاك هذه المؤسسة! أما ديوان المظالم فربما لم يعلم بما تم في المحكمة والأمارة، فلدى الديوان دعوى مرفوعة من المساهمين ضد صاحب المؤسسة بنحو 45 مليون ريال، ولا أدري كيف ينظر الديوان فيها رغم تعارض الاختصاص مع المحكمة العامة. أما وزارة التجارة فلم تتخذ أي إجراء، لأسباب غير واضحة، وكأنها لا يعنيها أمر مؤسسة أخذت من المواطنين مئات الملايين وتصدر شيكات دون رصيد وصاحبها هارب من القضاء والشرطة ومع هذا وفي نفس الوقت تتركه يمارس أنشطته التجارية ومحلاته مستمرة في بيع بضائعها علانية وفي كل مناطق المملكة! ولا أدري بعد هذا من هي الجهة المسؤولة عن التنسيق بين الإدارات القضائية والتنفيذية والرقابية؟

أما مؤسسة م.بن....للتجارة فأسباب تدهور أوضاعها مشابهة ومتزامنة مع المؤسسات السابقة كما أن صاحب المؤسسة الحقيقي قام بضخ أموال المساهمين- دون علمهم ولا موافقتهم- في أصول ومشاريع فاشلة. وقد حاول إقناع كبار المساهمين في اجتماع معلن في أحد الفنادق للموافقة على الخطوات التي اتخذها ووعدهم أن يكونوا شركاء في تلك الأصول فرفض معظمهم. وقد تقدم كثيرون بعدة دعاوى عليه في المحاكم ووزارة التجارة ورفض حضور معظمها وصدرت عليه عدة أحكام بعضها غيابي. ويتوقع أن تلحق هذه المؤسسة خلال أسابيع بأخواتها لتكون الثالثة التي يعلن عن انهيارها ويشتهر أمرها.

وبعد هذا الإيجاز، أكاد أجزم أنه لا يزال في الساحة العديد من المتربصين بـ "صغار المستثمرين" فيفتحون أنشطة تجارية وهمية أو مجرد غطاء تضليلي ريثما تجتمع مبالغ ضخمة ثم يعلن "رجل الأعمال" إفلاسه أو يختفي عن الأنظار، وشعبنا الغارق في الطيبة يكتفي برفع شكوى.... ثم لا يتابعها بسبب الإجراءات القاتلة....خاصة وأنه يعلم أن الحكم له بحقه ليس نهاية المطاف...... فالتنفيذ أبعد عليه من الثريا!. 

القائمة البريدية